أمسكت بطرف معطفي الأبيض وقالت ….

دخلت ذات مرة على إحدى المريضات الكبيرات في السن ..

والتي تفوح من جنباتها بوح الحكمة وعمق التجربة ..

فلما انتهيت من تقييمي لها وأردت المغادرة ..

أمسكت بطرف معطفي الأبيض وقالت :

” يا ولدي لا تذهب فلدي ما أقوله لك “

تبسمت وقلت لها :

” ما عندك يا خالة ..

هل تعانين من شيء مستجد ؟

أم أن أحداً ما قد أزعجك ؟ “

قالت :

” لا شيء من ذلك فقط لدي حديث جانبي لك .. “

قربت إحدى الكراسي وهممت بالجلوس ..

فتابعت قائلة :

” يا بني لقد أنعم الله عليكم أن وضع حاجة الناس في أيديكم ..

فلا تردوها بمننٍ أو أذى .. “

فهممت بمقاطعتها فتابعت قائلة :

” اصطبر حتى أكمل !

ولا تخف فلم أجد ها هنا إلا كل خير ومعاملة طيبة ..

ولكنه حديث في نفسي وددت الإفصاح به .. “

توقفت تلفط أنفاسها ثم تابعت :

” أنتم أعلم الناس بخفايا هذا الجسد

وما أودعه الله به من معجزات خلقية تفصيلية عجيبة

و ما زالت هناك أمور لم تكتشفوها حتى الآن

ومن المعلوم أن الإنسان كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً

فلماذا نرى بعض الأطباء وقد اعتلت أنوفهم علينا

وتصعّرت خدودهم فحتى السلام لا يردونه لنا

والإبتسامة لا نكاد نراها على وجوههم ..

أهذا هو شكرهم لله المتفضل عليهم !؟ “

قلت لها :

” يا خالة لعلها فتنة العلم ألمت بهم ! “

ردت علي بحزم :

” قل لهم إذن إن علمهم هذا على عظمته وسعته لا شيء !

فهم في نظر الناس مجرد حمقى قد حفظوا بعض الصفحات لينالوا بها الشهادات !

وتجد المرضى يتوددون له فقط في دقائق كشفه عليهم  ..

وحينما يغادرونه فإنهم يتنفسون الصعداء !

أما لحظة ذكر اسمه في المجالس فإن الوجوه تتعكر والأنفس تضيق ..

وكلٌ ممسك بطرف لسانه خشية أن يتحدث فتطير حسناته منه !

كل ذلك من أجل ماذا بالله عليك !؟ “

حاولت أن أهدئ من روعها فقلت لها :

” على رسلك يا خالة فإن طبائع النفوس تتغير ..

وإن العظماء كلما ارتفعوا ازدادوا تواضعاً وليناً ..

وما دون ذلك فهم كفقاعة صابون سرعان ما تختفي عن الوجود !

والعبرة بالذكر الحسن والخواتيم  “

فقالت لي :

” يا بني تودد للمريض وقابله بوجه حسن

مهما كان فضاً غليظاً معك

واحتسب في ذلك الأجر والثواب من رب العباد

ورُب دعوة تأتيك من أحدهم

تجد فضلها وميزانها يوم الحساب ..

وأنت الطبيب عيون الناس عليك فكن خير قدوة في لبسك وأخلاقك ..

وتذكر أيضاً أن معطفك الأبيض هو أمانة تضعه على ظهرك ..

فأنت الوحيد الذي يأتمنك الناس على أعز وأغلى ما يملكون ..

فإياك ثم إياك أن تُفقدهم الثقة فيك وتضع حرف الدال في غير مكانه ..

حينها تذكر فقط أن عقابك سيكون مضاعفاً ! “

قطع حديثها رنين جهاز النداء الذي في جيبي  ..

فاستأذنتها في المغادرة وشكرتها على وصيتها اللطيفة

وقلت لها :

” لعل لنا لقاء آخر .. فحديثك ماتع عذب ! “

ابتسمت وقالت :

” إن مد الله في عمري ،،، “

حينها استيقظت فجأة من نومي

وحمدت الله على حلمي ..

،

المقال كتبته لمجلة نبض وقد تم نشره اليوم على هذا الرابط :

http://mspuls.com/?p=5773

عصام

مدونة جزيرة الكنز

468 ad

2 تعليقان

  1. ما شاء الله تبارك الله ،
    تمكنت من استرقاق قلبي ، ثم تحويل دمعتي لإبتسامة ،
    خيالك المدهش ، أتى بمقالة ثمينة هي رسالة عامة لأي شخص ، و خاصة بالأطباء و باقي الفريق الطبي :happy: :heart:  

  2. إييييييييييييييييييه والله صدقت ه الخاله الحكيمه
    وحتى أنآ والله دايم أفكر فيهآ وأقول ورى الدكاتره تطير خشومهم وما خلاني افكر بذا الموضوع الا اخو صديقتي عاد هو طبيب وتقول لي من يوم ما توظف قلب وتكبر وصار مغرور
    ووووووووووووووووووليش يا حسره موب كلنا من تراب وبنرجع له
    اقولك يا عصام فيه كلماتن زينات قريتهن مره في كتاب ع النت تقول :
    قد أسكرته خمرة الكبر، واستهوته غرة التيه. كأن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكأن يوسف لم ينظر إلا بمقلته، ولقمان لم ينطق إلا بحكمته. كأن الشمس تطلع من جبهته، والغمام يندي من يمينه. كأنه امتطى السماكين، وانتعل الفرقدين، وتناول النيرين بيدين، وملك الخافقين، واستعبد الثقلين. كأن الخضراء له عرشت والغبراء باسمه فرشت.

شرفني بتعليقك

:alien: :angel: :angry: :blink: :blush: :cheerful: :cool: :cwy: :devil: :dizzy: :ermm: :face: :getlost: :biggrin: :happy: :heart: :kissing: :lol: :ninja: :pinch: :pouty: :sad: :shocked: :sick: :sideways: :silly: :sleeping: :smile: :tongue: :unsure: :w00t: :wassat: :whistle: :wink: :wub: