ذكريات الشيخ علي الطنطاوي .. الجزء الرابع

ذكريات علي الطنطاوي

زارنا في بغداد صديق قديم عرفته وأنا صغير جداً قبيل الحرب العالمية الأولى فأحببته ،

ثم رأيت أثره الخيّر في كل مكان من دمشق فأكبرته ،

ثم لم أعد أراه فعلمت أني قد فقدته وأضعته

كان إذا جاء ضربت لقدومه المدافع واحتفى به الناس ،

وبدلوا من أجله برامج حياتهم ومواعيد طعامهم ومنامهم ،

ولكنه كان – على ذلك – يؤنس نفوسهم ويريح أرواحهم ،

وكان اسمه ..

رمضان :)

،،،،،

بهذه السطور بدأ شيخي الحبيب علي الطنطاوي جزئه الرابع

وكأي سطور هو من صنعها فلابد من أن تكون كتحفة أدبية باذخة الجمال وجميلة اللسان

وفي هذه الصفحة سأجمع الؤلؤ والمرجان

من بين سطور الذهب والزعفران

،،،،،

يحكي ذات مرة أنه خرج مع تلاميذه في رحلة فأضاعوا الطريق وتعبوا

حتى قاربوا على الهلاك ..

فصادفوا قرية في الطريق فطرقوا أول بيت وجدوه ..

فخرج لهم رجل وأدخلهم ثم سألهم لما رأى حالهم :

انتم إذن بحاجة إلى طعام ؟

فقال له الشيخ علي :

لا ، بل نحن بحاجة إلى ورق أبيض وقلم .

فتعجب وقال :

ولم ؟

رد عليه : لنكتب وصايانا قبل أن نموت من الجوع :)

،،،،

إن الطبيب يداوي بشخصه وأسلوبه قبل أن يداوي بعلمه وطبه

،،،،

ويقول عن قبري والديه :

هل أقف على القبرين المتجاورين النائمين متعانقين على كتف الساقية في الدحداح

كما كان يتعانق ساكناهما في الحياة ؟

إن فيهما أبي وأمي ..

لقد دفنت مسرات حياتي في هذين الجدثين

أصبحت كنبتة قطع جذورها :(

وجدث ثالث فيه من هو أعز عليّ منهما

ما عرفت الطريق إليه حتى أقف عليه .

وماذا يفديني أن أقف عليه وقد حال التراب بيني وبين قطعة عزيزة من قلبي أودعت هذا القبر ؟

إني لأريق الدمع كل ليلة أسقي بها هذا القبر البعيد في طرف بلاد الألمان حيث لا يراني أحد

ثم انتبه فأجد أنه لا الدمع ينفع من فيه ولا الأحزان

ما ينفعني ولا ينفعها إلا الرحمة من الله والغفران .”

،،،،،،

ولأن الشيخ لا تأخذه في الله لومة لائم

ولأنه صداح بالحق قوي على الباطل

فلقد تصادم مع الكثيرين

وذات مرة تضايق منه الإستعمار الفرنسي

فأرسل لوزير المعارف السوري يطلب بإقالة الطنطاوي

فلما تقابلا قال له الوزير : ستبقى هنا

قال : وكيف أبقى هنا بلا عمل ؟

قال : نمنحنك إجازة مرضية !

قال الطنطاوي : ولكني لست مريضاً !

قال : سنختار لك مرضاً تختاره ! “

،،،،،

وليس في متع الدنيا متعة أكبر من أن ترى الاعوجاج والانحراف ،

ثم يعطيك الله القوة على تقويم المعوج وعلى تعديل المنحرف .

إن في ذلك رضا الله وموافقة الشرع ورجاء ثوابه ،

ولكن الثواب العاجل هو هذه المتعة النفسية العجيبة التي لا توصف !

،،،،،

إن من يزعم أن قلبه مليء بالإيمان

ولكنه لا يصلي ولا يصوم ولا يقوم بعمل من الأعمال التي يستلزمها الإيمان

ويقتضيها والتي هي نتيجة له .

كالعاشق المتيم تدخل عليه محبوبته

فلا تزداد نبضات قلبه ولا يتغير لون وجهه ولا يتحرك من مكانه

هل يصدق أحد أنه عاشق ؟

،،،،،،

وأنا أنصح القراء – ثمرة تجاربي الطويلة في المحكمة وتجاربي التي هي أطول منها في الحياة –

ألا يدخل أهل الزوج وأهل الزوجة بينهما إلا في حالات الخلاف الشديد ،

أو لدفع ظلم لا يجوز السكوت عنه

،،،،

فأول ما أهجم به على الأطباء أن بعضهم يخوف المريض

فإذا خاف ذهبت مقاومته وتغلب عليه المرض !

،،،،،

على الطبيب أن يداوي بنباهته وذكائه ولطف حسه وصفاء نفسه ومعرفته بأصناف المرضى

قبل أن يداوي بعقاقيره وطبه

،،،،

” ومنهم من يستر عجزه عن معرفة المرض بستار كثيف عريض طويل فيقول لك :

حساسية

وليست مرضاً …

وفي دعوى الحساسية متسع للجميع :) “

،،،،،

صحة الأبدان لا يجوز أن تكون وسيلة لإضاعة الأديان

،،،،،

” وإذا قلت للرجل الصحيح :

إنك متعب تبدو عليك بوادر المرض

فإنك تقربه بهذا إلى المرض.

وإذا قلت لمن هو في أوائل المرض :

إنك صحيح قوي الجسم ، القوة ظاهره عليك والصحة بادية في وجهك .

فإنك تبعده بذلك ولو شيئاً قليلاً عن المرض “

،،،،

كل من تلقاه يشكو دهره

،،،،،

لا يبكي الشاعر حجراً ميتاً كما زعم أبو نواس ساخراً ،

بل يبكي زماناً كان حياً ،

يبكي قطعة من عمره كانت فبانت !

،،،،،

المحتويات :

1- رمضان في بغداد .

2- إيوان كسرى وسر من رأى .

3- قصة انتهت بنقلي إلى البصرة .

4- من ذكريات البصرة .

5- في الكلية الشرعية في بيروت .

6- بيروت سنة 1937 وعملية الزائدة في دمشق .

7- وقفة في نهاية سبع وسبعين سنة .

8- أخي المبتعث إلى باريس .

9- بغداد تغضب لأختها دمشق .

10- مقتل الملك غازي ورثاؤه .

11- من ذكريات المدرسة الغربية في بغداد .

12- رفضت دعوة القومية فنقلوني إلى كركوك .

13- كيف صرت ضابطاً ؟ .

14- إلى دير الزور .

15- دخولي في القضاء .

16- بين إقرار العدل وتطبيق القانون .

17- من ذكريات الحرب العالمية الثانية .

18- في القضاء في دوما .

19- ثورة في دوما : نار شبت ثم خمدت .

20- هجوم على الأطباء :) .

21- دفاع عن الأطباء .

22- أشتات من الذكريات عن موسم الحج .

23- من محكمة دوما إلى محكمة دمشق .

24- القاضي الشهيد .

25- في سبيل إصلاح محكمة دمشق .

26- بعض ما صنعت في محكمة دمشق .

27- عقد الزواج في محكمة دمشق .

28- الحياة الأدبية قبل نصف قرن ( 1 ) .

،،،،

كتابة ومقتطفات :

عصام :)

مدونة جزيرة الكنز

468 ad

3 تعليقات

  1. مقتطفـات خياليـه ..~

    وكتابه أكثر من رائعـه وكلام جدا مؤثـر ،،

    عصـام .. اختياراتـك دائمـا متميـزه ,,

    طبعا هذه التدوينه من ضمن سلسلة تدويناتك عن الحبيب الشيخ علي الطنطاوي ^_^

    وكنت واثقه جدا عند قرائتي للموضوع أن المحتوى سيكون مذهلا كالعادهـ ..

    كلي متشوقه لنزول التدوينه رقم 200 ..~ ^_*

  2. وردهـ :
    حياك الله وشاكر لك اهتمامك وتواجدك الدائم ..
    ممتن جداً ..
    وشكراً ألف ،،

  3. اليوم بدأت في قراءة هذا الجزء من الذكريآت
    أختياراتك رآئعة ماشاء الله
    أستاذ عصام :إن كنت مهتما بالشيخ علي ففي الفيس بوك مجموعة أسمها
    الصالون الأدبي لأديب الفقهاء وفقيه الأدباء
    يوجد فيها عدد لا بأس به من أحفاده وبناته

شرفني بتعليقك

:alien: :angel: :angry: :blink: :blush: :cheerful: :cool: :cwy: :devil: :dizzy: :ermm: :face: :getlost: :biggrin: :happy: :heart: :kissing: :lol: :ninja: :pinch: :pouty: :sad: :shocked: :sick: :sideways: :silly: :sleeping: :smile: :tongue: :unsure: :w00t: :wassat: :whistle: :wink: :wub: